نورالدين علي بن أحمد السمهودي

30

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وروى أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً [ التوبة : 108 ] كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد ، وهذا مما يؤيد ما قدمناه من أن المراد من قوله تعالى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [ التوبة : 108 ] مسجد قباء . وقال ابن عطية : روى عن ابن عمر أنه قال : المراد بالمسجد المؤسّس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد يعني بقوله تعالى : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ [ التوبة : 109 ] هو مسجد قباء ، وأما البنيان الذي أسّس على شفا جرف هار فهو مسجد الضّرار بالإجماع . وقوله « فانهار به في نار جهنم » قال ابن عطية : الظاهر منه ومما صح من خبرهم وهدم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مسجدهم أنه خارج مخرج المثل لهم : أي حالهم كمن ينهار بنيانه في نار جهنم . وقيل : بل ذلك حقيقة ، وأن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم ، قاله قتادة وابن جريج . وروى عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال : رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . وروى أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة ، ففزع لذلك رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . وروى أنهم لم يصلّوا فيه أكثر من ثلاثة أيام ، وانهار في الرابع . قال ابن عطية : وهذا كله بإسناد لين ، والأول أصح . واسند الطبري عن خلف بن يامين أنه قال : رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر في القرآن ، ورأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان ، وذلك في زمن أبي جعفر المنصور . وقيل : كان الرجل يدخل فيه سعفة فتخرج سوداء محترقة ، ونقل عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [ التوبة : 109 ] . الخلاف في موضع مسجد الضرار قال الجمال المطري : وأما مسجد الضّرار فلا أثر له ، ولا يعرف له مكان فيما حول مسجد قباء ، ولا غير ذلك . قلت : وهو كذلك ، لكن بالنسبة إلى زمنه وزمننا ؛ فقد قال ابن جبير في رحلته : وهذا المسجد مما يتقرب الناس إلى الله برجمه وهدمه وكان مكانه بقباء عارض به اليهود مسجد قباء . وقوله « اليهود » صوابه المنافقون . وقال ابن النجار : وهذا المسجد قريب من مسجد قباء ، وهو كبير ، وحيطانه عالية ، وتؤخذ منه الحجارة ، وقد كان بناؤه مليحا ، انتهى . وهذا يقتضي وجوده في زمن ابن النجار على تلك الحالة ، وقد قال المطري : إنه وهم لا أصل له ، وتعقبه المجد بأنه لا يلزم من وجوده زمان ابن النجار كذلك استمراره ، وقد